ابن كثير

107

البداية والنهاية

وقال آخر : يا حبذا جسر على متن دجلة * بإتقان تأسيس وحسن ورونق جمال وحسن للعراق ونزهة * وسلوة من أضناه فرط التشوق تراه إذا ما جئته متأملا * كسطر عبير خط في وسط مهرق أو العاج فيه الأبنوس مرقش * مثال فيول تحتها أرض زئبق وذكر الصولي ، قال : ذكر أحمد بن أبي طاهر في كتاب بغداد أن ذرع بغداد من الجانبين ثلاثة وخمسون ألف جريب ، وأن الجانب الشرقي ستة وعشرون ألف جريب وسبعمائة وخمسون جريبا وأن عدة حماماتها ستون ألف حمام ، وأقل ما في كل حمام منها خمسة نفر حمامي وقيم وزبال ووقاد وسقاء ، وأن بإزاء كل حمام خمسة مساجد ، فذلك ثلاثمائة ألف مسجد ، وأقل ما يكون في كل مسجد خمسة نفر - يعني إماما وقيما ومأذونا ومأمومين - ثم تناقصت بعد ذلك ، ثم دثرت بعد ذلك حتى صارت كأنها خربة صورة ومعنى . على ما سيأتي بيانه في موضعه . وقال الحافظ أبو بكر البغدادي : لم يكن لبغداد نظير في الدنيا في جلالة قدرها ، وفخامة أمرها ، وكثرة علمائها وأعلامها ، وتمييز خواصها وعوامها ، وعظم أقطارها ، وسعة أطرارها ، وكثرة دورها ودروبها ومنازلها وشوارعها ومساجدها وحماماتها وخاناتها ، وطيب هوائها وعذوبة مائها وبرد ظلالها واعتدال صيفها وشتائها ، وصحة ربيعها وخريفها ، وأكثر ما كانت عمارة وأهلا في أيام الرشيد ، ثم ذكر تناقص أحوالها وهلم جرا إلى زمانه . قلت : وكذا من بعده إلى زماننا هذا ، ولا سيما في أيام هولاكو بن تولى بن جنكز بن خان التركي الذي وضع معالمها وقتل خليفتها وعالمها وخرب دورها وهدم قصورها وأباد الخواص والعوام من أهلها في ذلك العام ، وأخذ الأموال والحواصل ، ونهب الذراري والأصائل ، وأورث بها حزنا يعدد به في المبكرات والأصائل ، وصيرها مثلة في الأقاليم ، وعبرة لكل معتبر عليم ، وتذكرة لكل ذي عقل مستقيم ، وبدلت بعد تلاوة القرآن بالنغمات والألحان ، وإنشاد الاشعار ، وكان ، وكان . وبعد سماع الأحاديث النبوية بدرس الفلسفة اليونانية ، والمناهج الكلامية والتأويلات القرمطية ، وبعد العلماء بالأطباء ، وبعد الخليفة العباسي بشر الولاة من الاناسي ، وبعد الرياسة والنباهة بالخساسة والسفاهة ، وبعد الطلبة المشتغلين بالظلمة والعيارين ، وبعد العلم بالفقه والحديث وتعبير الرؤيا ، بالموشح ودوبيت ومواليا . وما أصابهم ذلك إلا ببعض ذنوبهم ( وما ربك بظلام للعبيد ) [ فصلت : 46 ] والتحول منها في هذه الأزمان لكثرة ما فيها من المنكرات الحسية والمعنوية ، وأكل الحشيشة ، والانتقال عنها إلى بلاد الشام الذي تكفل الله بأهلها أفضل وأكمل وأجمل . وقد روى الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تقوم الساعة حتى يتحول خيار أهل العراق إلى الشام ، وشرار أهل الشام إلى العراق " ( 1 ) .

--> ( 1 ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 5 / 249 .